ARABIKA

قانون الإرث المغربي بين ظلم العرف وإجحاف حساب المواريث

آخر تحديث : الأربعاء 7 مارس 2018 - 11:21 مساءً
2018-03-07T23:21:01+00:00
2018-03-07T23:21:01+00:00
فاطمة واياو

يأتي اليوم العالمي للمرأة هذه السنة ونحن على مشارف السنة الثالثة للنقاش حول المساواة في الإرث، حيث يعود التساؤل حول ما آل إليه هذا النقاش، وهل تحققت خطوات عملية على درب تغيير القانون المنظم للإرث بالمغرب؟ ولعل ما صرح به المفكر المغربي عبد الله العروي في مستهل سنة 2018، خلال تكريمه من طرف جامعة محمد الخامس ومعهد العالم العربي، حيث أكد أهمية فرض الوصية كسبيل لتقسيم التركة، وبالتالي تحقيق المساواة في الإرث بشكل سلس وضمان الحقوق الإنسانية للأفراد إناثا وذكورا.

إن أي حديث عن المرأة والإرث لا بد أن نستحضر في مستهله العلاقة الوطيدة بين أي قضية متعلقة بالمرأة وطبيعة المجتمعات الباترياركية. فأي مقاربة جدية لا بد أن لا تستبعد العلاقة الوطيدة بين الأديان والتقاليد الأبوية، التي تجعل المرأة كائنا ناقصا وشخصا غير مكتمل الأهلية، مما يجعل كل الأحكام المستمدة من الدين مجحفة في حقها. ولعل قضية الإرث، كما جاء بها التشريع الإسلامي، تدخل ضمن القضايا الشائكة والمجحفة أيضا، وبالتالي أصبحت المطالبة بمراجعة هذه الأحكام ضرورة قصوى تفرضها الوضعية الراهنة للمرأة العربية المسلمة، وعلى وجه التحديد المرأة المغربية.

طرحت قضية المساواة في الإرث من خلال مراجعة الأحكام المتعلقة بالمواريث في المغرب منذ سنة 2015، من خلال الحملة التي دشنتها الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة في يونيو 2017، علما أنه سبق هذه الحملة نداء وجهه الفقيه المغربي محمد عبد الوهاب رفيقي للمساواة في الإرث. وقد أعقبتها نداءات كثيرة، لعل أهمها طرح القضية أمام البرلمان من طرف إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، ثم بعد ذلك توصية المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في غضون شهر ماي من السنة نفسها.

إن الحملة الأخيرة التي قامت بها الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، والمتعلقة بالتوعية بالتمييز والإجحاف المرتبطين ببعض الأحكام الإسلامية، ومن بينها الإرث، كانت تهدف إلى توعية المواطنين، نساء ورجالا، بضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين في الإرث، خاصة أن العديد من الاستطلاعات أبانت بأن هناك لبسا وغموضا في هذه القضية، مما يجعل أصواتا عديدة تقف ضد المساواة، من بينها أصوات نسائية. والجدير بالذكر أن هذه الحملة كانت تحت شعار “وعلاش لا”.

يقول الطاهر حداد في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”: يجب أن نعتبر الفرق الكبير البيّن بين ما أتى به الإسلام وما جاء من أجله، وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده، قد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها. ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير. على أننا نجد الإسلام نفسه قد تجاوز هذه الحالة التي وجدها أمامه في كثير من أحكامه، اعتباراً بضرورة تبدُّلِها مع الزمن فقرر للمرأة حريتها المدنية في وجوه الاكتساب وتنمية المال بالتجارة وغيرها من التصرفات. وفيما أرى أن الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة من كامل وجوهها متى انتهت أسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة”. من خلال القولة هذه يتضح أنه سبق أن طرح موضوع الإرث من قبل علماء مسلمين، في عقود سابقة، وهو ما يعني أن دعوات العلماء المعاصرين ليست بالجديدة، فمعلوم أن الطاهر حداد كان قد أفتى بضرورة المساواة في الإرث، وبالتالي كان هناك علماء متنورون استطاعوا إعادة النظر في العديد من الأحكام الفقهية، والنصوص القرآنية لماذا إذن يتعثر إصلاح قانون الإرث، ويعود متقهقرا إلى نقطة البداية؟ أليس موضوع الإرث بكل ما يشوبه من مظالم وإجحاف موضوعا أبويا، يجسد بشكل صارخ هذه الأبوية المستحدثة، مما دفع بكل الأصوات التي تنادي بالمساواة إلى أن يصبح صوتها مبحوحا إن لم نقل أخرس كلما تعلق الأمر بتقسيم التركة؟

لعل الإجابة عن مثل هذا السؤال الإشكالي تفرض تحليلا ومقاربة لقضية المرأة في المجتمعات الأبوية، وهي مجتمعات، كما هو معلوم، تجعل المرأة تابعة لسلطة الرجل، ليس فقط المعنوية، ولكن وبالأساس سلطته المادية، فهو المتحكم في وسائل الإنتاج. من هنا فإن أي حديث عن هذه الوسائل أو أي ثروة مرتبطة به لا بد أن يخضع لهذه السلطة الأبوية، هذه السلطة التي يجب أن لا تفقد سلطتها وقوتها. من هنا فإن تقسيم الإرث بالتساوي بين الإناث والذكور سيضعف السلطة الأبوية. وليس أدل على هذا التوجه هذه القداسة التي تحيط بموضوع الإرث في المنظومة الفكرية العربية الإسلامية، حيث إن كل من يريد تحقيق العدل والمساواة بين ورثته، إناثا وذكورا، مستعملا أداة شرعية، ألا وهي الوصية، يواجه بالكثير من اللوم قد يصل إلى اتهامه بالخروج عن الدين، مع العلم أن الوصية جعلها الوحي مقدمة على تقسيم التركة.

هكذا تغدو أي مبادرة تسير في اتجاه تقديم الوصية على الإراثة، والتي ستجعل أمر المساواة في الإرث بين الذكور والإناث ميسرا ومقبولا على الصعيدين الثقافي والاجتماعي. من هنا فإن ما قام به، مثلا، رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، مصطفى المانوزي، من خلال وصيته بالمساواة بين أبنائه وبناته وزوجته ووالدته حين تقسيم تركته، يعتبر بادرة طيبة وقدوة ستتيح للمجتمع تقبل فكرة المساواة بين النساء والرجال في الإرث. وكما يقول عالم الاجتماع توك توفيل فإن الحداثة لا تتحقق إلا بالحرية، وهذه الحرية لا تكتمل إلا بالمساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز. وهنا علينا أن نحيي تونس وشجاعة أهلها في مثل هذه الإنجازات، فقد أعلن أن تونس ستعطي الحق للمرأة التونسية المسلمة في أن تتزوج بغير المسلم، وأنها أيضا ستحصل على المساواة في الإرث. أيضا ألا يمكن القول بأن تغيير قانون الإرث، إن تم، سيمكننا من المطالبة بجعل كل القوانين الأسرية ضمن القانون المدني؟ في انتظار أن تتحقق المطالب بمساواة وعدالة ومواطنة حقيقية لكل أفراد المجتمع دون تمييز على أساس الجنس، يفرض علينا واقع الحال تذكر معاناة نساء جراء الحرمان أو التعسف في تقسيم التركة. والأمثلة عديدة على امتداد رقعة الوطن، عن ضحايا تعسف أعراف وقوانين الجماعات السلاليات، حيث حرمت نساء على امتداد أجيال وأجيال، ولم يغير تطبيق الشريعة الإسلامية من واقعهن ومصيرهن قيد أنملة.

في الأخير أسرد عليكم هذه الحكاية الواقعية، وهي ضمن ملفات الاستماع إلى ضحايا العنف، كقطرة في بحر لجي من المشاكل التي يثيرها قانون الإرث: إنها قضية الزوجة التي مات زوجها ولم يكن لديهما أبناء، كانت هذه الأرملة مريضة وطاعنة في السن، ظلت إلى جانب زوجها أثناء مرضه إلى أن وافته المنية. لم يكن أحد من إخوته يزوره، باستثناء بعض الجيران الذين كانوا يمدون له يد العون. كان الزوجان يعيشان في كوخ صغير، له سياج من الإسمنت وسقف من القصدير. ظل الزوجان يشد أحدهما أزر الآخر في السراء والضراء. كان هو قبل مرضه يشتغل حارسا ليليا، وكانت هي في عز صحتها خادمة للبيوت، وقد استطاعا أن يسيجا كوخهما الصغير، ويجعلا فيه أثاثا بسيطا. لم يرزقا بالذرية، ولكن ظلا متشبثين ببعضهما إلى أن توفي الزوج.

كانت الزوجة وحيدة لا أهل لها، فقد توفي والداها، ولم يكن لها إخوة، غير أن الزوج لم يختلف عنها كثيرا، فلم يكن إخوته يزورونه، حيث عاشا حياتهما وحيدين إلا من بعض الزيارات الخاطفة للجيران. ومع الحزن الشديد الذي تركه غياب الزوج، إلا أن مأساة هذه السيدة الحقيقية لم تنته، فقد كتب لها أن تتجرع مرارة ظلم ذوي القربى، فبعد وفاة الزوج جاء إخوته إليها يطلبون حقهم في إرث أخيهم، وأي إرث؟ فالمرحوم لم يترك سوى هذا المأوى الذي سترهما طوال حياتهما وجنبهما ذل التشرد. المأساة أن هؤلاء الإخوة كانوا جميعا موظفين، ولهم مساكنهم، وهي شقق جميلة في أحياء فاخرة. وكان تبريرهم في إصرارهم على المطالبة بتقسيم تركة أخيهم هو أنهم حريصون على “تطبيق الشرع”، الذي يفرض عليهم بيع عقار الأخ وتقسيمه بينهم. ولأن تركة الأخ هزيلة، فإن الضحية الأولى لمثل هذا التقسيم كانت هي الزوجة الفقيرة، التي ستتشرد ولن تجد مأوى يقيها برد الشتاء ولا مكانا يحميها من حر الصيف. نصيبها الهزيل لن يمكنها من شراء مسكن مهما كان بسيطا، ولا كراء مسكن مهما كان هزيلا. نسي هؤلاء الإخوة أن الرحمة والإنسانية هما أيضا من صميم الشرع، فماذا سيخسرون لو تركوا زوجة أخيهم في كوخها تتدبر ما بقي لها من أيام ويمنعون عنها التشرد في كبرها؟ ألا يأمرهم الشرع بأن يحسنوا لذوي القربى باعتبار ذلك أولوية قصوى؟. ولأنهم على مقدرة مادية ألم يكن يجدر بهم أن يحسنوا لزوجة أخيهم، بل أين كانوا حينما كان أخوهم مريضا ووقت احتضاره؟؟؟

هذه السيدة لم تترك بابا إلا طرقته، لكن الجمعيات والحقوقيون وقفوا عاجزين أمام هذه المأساة، فقانون الإرث واضح، ولا مجال فيه لإنصافها، ولا وجود حتى لثغرة يمكن النفاذ منها لإنقاذها من التشرد المحقق.

هذه الحكاية الواقعية مجرد قطرة في بحر لجي من الأمثلة، حيث تظلم فتيات ونساء بفعل قانون الإرث، والأفظع أن من ينادون بتطبيق الشرع يتغاضون عن الحرمان الذي كان يطال النساء السلاليات، حيث كن يحرمن باسم العرف هذه المرة من إرثهن، حتى ذلك النصيب المجحف الشرعي. رغم ذلك لم يسبق أن وقف فقيه أو عالم دين يحفظ قانون المواريث عن ظهر قلب ضد هذا الظلم المضاعف، أم أن الأمر لم يكن خطيرا مادام لا يمس حصة الذكور، بل يجعلهم في موقع قوة.

في النهاية وأنا أنهي مقالي هذا، استرعى انتباهي ما جاء في مقال الأستاذ سمير عبلة، المنشور بهسبريس في عدد يوم الخميس 1 مارس 2018، عن تلك المرأة التي أهملها أبناؤها في دار للعجزة، وبالتحديد ما عبر عنه أكبر أبنائها حينما كانوا يقتسمون تركة والدهم، “ماذا سنفعل بهذه التركة الآدمية؟”، مشيرا إلى والدته. من هنا فالمرأة هي الحلقة الأضعف، ليس فقط في موضوع الإرث، بل في كل القوانين والتقاليد المجحفة في حقها.

كلمات دليلية