الإعلانات
المعرض الدولي للكتاب والنشر

بوديموس حزب الأمل

آخر تحديث : الجمعة 3 أبريل 2015 - 12:33 صباحًا
2015-04-03T00:33:08+00:00
2015-04-03T00:33:08+00:00
حماد البدوي - اسبانيا

لا يرسم التاريخ مساراته بشكل مستقل عن إرادة الإنسان. لذلك فبعض الشعوب ممن حاولت تغيير الواقع السائد في السنوات الأخيرة، وجدت نفسها تنحدر نحو العنف الطائفي و الأهلي، لأن إرادة القوى الطائفية الرجعية، التي طغت على حراكاتها، لا يمكنها أن تدفع بعجلة التاريخ إلى الأمام. أما البعض الآخر منها، فقد بقي مستسلما للأمر الواقع ، رغم إنهاك الأزمات لبلدانه، و رغم إنسداد آفاق النهوض في وجهه.

حركة بوديموس أربكت تحقق مآلات مماثلة لتلك؛ فقد برزت كخيار واضح المعالم لمواجهة النظام السائد، من خلال حراك شعبي، إحتضن إرادة المواطنين في التغيير. إذ لم ينته حراك 15 مايو، إلى مجرد دورة إحتجاج قصيرة الأمد، لا تداعيات له على المشهد السياسي و الإجتماعي الإسباني؛ بل حٌوّل إلى قوة سياسية ملهمة للمواطنين في إسبانيا، و لكثير من الحركات في بلدان الجوار، و العالم، و مقلقة، حد الرعب، لنخب نظام 1978، و مطلقة لدينامية سياسية و مواطِنة من خارج النسق الحزبي السائد منذ ثلاثة عقود..

و نظام 1978 هو طبعا تسيّد الثنائية الحزبية، القائمة على التوافقات الكبرى بين النخب المتناوبة على الحكم، و هو التزاوج اللحمي بين نخب السياسية و الإقتصاد و القضاء، الذي طبع دوما مع الفساد و و رعاه و حماه ، و هم إستئناس اليسار التقليدي بموقعه الهامشي في إنتظار حدوث “المعجزة التاريخية”…

لكن الجدّة التي حملها بروز حزب بوديموس على المشهد السياسي الإسباني لا تنحصر في خلخلته لميزان القوى الحزبي فقط، بل تكمن أساسا في النموذج التنظيمي الحاضن للمشاركة المواطنة، و في الخطاب الفكري و التعبوي، و في نوعية الفاعل السياسي الذي يروم الإستناد إليه.

فبوديموس لم يكن ثمرة تفاوض نخبوي أو تجميعي بين جماعات حزبية يسارية – لم يكن تتويجا لمسار تجميعي -، و لا يعتمد في عضويته على “المناضل” المنضبط لخط الحزب و خطابه، بل يستند إلى مشاركة المواطنين المبدعين في البناء الحزبي، و في النقاش المبلور لخط الحزب، و في تقديم الإقتراحات التي، بعد إخضاعها لنقاش كل قواعد الحزب – من المواطنين – ، تنتهي مدمجة في متن أوراق و وثائق الحزب. و ذلك ما جعله جاذبا لقواعد و أطر العديد من الأحزاب اليسارية، التي يئست من حالة الجمود و الرضا عن الذات السائدة في صفوفها، فضلا عن جذبه للمواطنات و المواطنين الباحثين عن قوة سياسية قريبة من مشاغلهم، و منفتحة على مبادراتهم و آرائهم.

كذلك فإن عُدّة الحزب من الشعارات أخف مما يمكن أن يتصور أي مناضل نشأ في تيارات و أحزاب اليسار القديمة و الحديثة. فالسياسة بالنسبة إليه هي إسترجاع للديمقراطية – المحتجزة من طرف نخب نظام 1978 -، و بلورة إقتراحات و خطط تمكن، عند تطبيقها، من تمتيع المواطنين بالحق في التعليم، و الصحة، و الحماية الإجتماعية، و الأرض و التراب، و العمل، و الثقافة، و التنمية الشخصية و الجماعية (كشعب)، و بالحق في المشاركة السياسية؛ و السياسة بالنسبة إليه هي تحويل الأغلبية الصامتة إلى أغلبية فاعلة، و إلى قوة تغيير.

و لأن التنظيم يعكس دائما توجه الحزب، إنغلاقه أو إنفتاحه، فقد حول الحزب الساحات العامة إلى فضاء تنظيمي محوري و حاسم، فضلا عن متاحات التكنولوجيا الحديثة، في سيرورة إعداد برنامجه، و إنتخاب مرشحيه لتحمل المسؤوليات العمومية، و هيئاته الحزبية البسيطة جدا و التي لا تتجاوز مستويات أساسية: الحلقات (Circulos )، التي تعد الوحدة التنظيمية الأساسية للحزب؛ الجمعية المواطنة (الترابية و الوطنية) بصلاحيات تقريرية؛ المجلس المواطن (الترابي و الوطني) بصلاحيات تنفيذية، الأمانة العامة؛ ثم لجنة الضمانات الديمقراطية.

هكذا إذن أعاد بوديموس السياسة إلى المواطنين، و قربهم منها، و صارت مفاهيمه (و في مقدمتها مفهوم la Casta، بمعنى النخبة المسيطرة) متداولة، و مقترحاته للخروج من الأزمة قيد النظر و التداول و المقارنة، لتبدأ علامات العصبية تظهر على السياسيين ممن ألفوا إما ممارسة الحكم، و إما الإنتقال إلى مجالس إدارة الشركات الكبرى المستفيدة من تشريعاتهم و خدماتهم لتعويضهم عن ما قدموه لها.

تستحق تجربة حزب بوديموس البحث و الدراسة من طرف الفاعلين اليساريين و الديمقراطيين في كل مكان، لأنها تشكل يسارا جديدا، يسار القرن الواحد و العشرون، إستطاع أن يحول لحظة الأزمة الراهنة إلى حافز لبناء البديل بعيدا عن الشعارات المألوفة ، بل إنطلاقا من متابعة تداعيات الأزمة، على كل الأصعدة، و طرح الحلول القطاعية و المؤسساتية بالإستناد على خبرة المواطنين و تجاربهم و إبداعاتهم و طاقاتهم النضالية.

الإعلانات
كلمات دليلية