الإعلانات

بوصوف: الهجرة أفيون الناخب الأوروبي .. والمهاجر عدو افتراضي

آخر تحديث : الأحد 12 أغسطس 2018 - 12:55 مساءً
2018-08-12T12:55:39+00:00
2018-08-12T12:55:39+00:00
بوصوف: الهجرة أفيون الناخب الأوروبي .. والمهاجر عدو افتراضي
الدكتور عبد الله بوصوف، أمين العام لمحلس الجالية المغربية بالخارج
الدكتور عبد الله بوصوف

عـلمنا التاريخ أن المنتصر هـو من يـكتب التـاريخ، وهـو من يُـحدد الخرائط والسياسات للمستقبل. وهكذا كان حتى أصبح “شـبه عُـرْف” بعـد كل الحروب والصراعات التي عرفتها الإنسانية، ونخص بالذكر فقط الخرائط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء بعد الحرب العالمية الأولى أو الثـانية، التي رسمهـا الحلفـاء المنتصرون لبقية دول العالــم.

وهو المنطق نفسه-أي منطق المنتصرين–يُـطبق اليـوم في مجال الهجرة واللجوء، حيث تختلف التعريفات والاصطلاحات والتصورات والتقديرات للظاهرة الواحدة نفيها، أي الهجرة، التي أصبحت تتصدر كل البرامج الانتخابية، بل تطغى حتى على أولويات الناخب الغربي (الأوروبي خاصة) المتمثلة في العمل والبطالة والضرائب والتقاعـد والتعليم والوقت الثالث والبيئة…. مقابـل تداعيات الأزمة الاقتصادية وسياسات التقشف واملاءات البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية…

وكأن الفاعـل السياسي الغربي (المنتصر، الأقوى اقتصاديا….) اكـتشف “أفيــونا سياسيا” جديـدا أدخـل به مجموعات كبيرة من الوعاء الانتخابي في حالــة “تخديـر جماعي” أدمنه الناخب الأوروبي ولا يريــد الخروج منه، رغم أن أرقام الاحصائيات والمعطيات تقول عكس ما يروجه الفاعل السياسي ذو الخلفية اليمينية المتطرفة المسيطرة الآن على تسيير دول أوروبية عـديـدة…

ويكفي أن نشيـر هـنا إلى احصائيات منظمة الهجرة الــدولية نحو أوروبا التي تذهب في اتجاه تـراجع بشكل كبيـر في أعداد المهاجرين نحو أوروبا مـنذ النزوح الجماعي الكبير لـسنة 2015، والتي سجلت دخول حوالي نصف مليون مهاجر إلى أوروبا، وسجلت سنة 2016 وصول أكثر من 241 ألف مهاجر، أما سنة 2017 فـقـد سجلت وصول أكثـر من 109 آلاف مهاجر إلى أوروبا، في حيـن سجلت سنة 2018 إلى غايــة يــوليوز أكثر من 50 ألف مهاجـر…

وباعتمادنا لغــة الأرقام نقـف عند التراجع الكبير لأعــداد المهاجرين نحو أوروبا، بل حتى احصائيات بعض السجون الأوروبية تقــول بتناقص عــدد النزلاء الأجانب بالسجون الأوروبية…

لــكن في مقابــل ذلك، نلاحـظ تـزايـد حــدة لغـة خطاب اليمين المتطرف بأوروبا واستمراره في تحذيـر سكان الـقلعة الأوروبية من “العـدو الافتراضي”، أي المهاجـر… وهي اللغة التي جعلت الساحة السياسية والإعلامية في حالة شبه استنفــار والحكومات الأوروبية في حملة انتخابية متواصلة…

فالملاحظ أن منطق المنتصرين (أوروبا) في تحديد خريطة الاشتغال على ملفات الهجرة، ينتصر للجانب الأمني على الجانب الإنساني، والمنطق نفسه جعلها تضع تصنيفات جديـدة للمهاجـر بين “المهاجر الاقتصادي “والمهاجر البيئي” و”المهاجر اللاجئ” و”المهاجر غير الشرعي” وغيرها من التصنيفــات…

لكـن الـتاريخ نفسه وفي أكثر من مناسبة أبـان عن مكـر كبير، وخـذل المنتصريـن أنفسهم في أكـثر من مناسبـة…

فـفي زوال يــوم 6 غشت الجاري وقـعت حادثـة مروعة بين نـاقـلة شحـن كبيرة وحافلة صغيرة تحمل ترقيــم دولـة بلغاريـا على متنها مهاجرون يعملون في مجال الفلاحة، كانــوا عائــدون من مـزارع الطماطم بمدينة فــوجيــا بجنوب إيطاليــا، الحادث خلف مقتل 12 مهاجـرا وجرح 3 آخريــن، كل الضحايا مهاجـرون شرعيون.

وهـو الحادث الذي جاء بعد فاجعة يـوم السبت 4 غشت الجاري أيضا بوفـاة أربعة مهاجرين أفـارقة يعملون في مزارع منطقة أسكولي بإيطاليـا.

مما أجبر كلا من رئيس الحكومة، جوزيبي كونتي، وحامل حقيبة الـداخلية، ماتيو سالفيني، على زيارة “جهـة بُـوليـا” بالجنوب الإيطالي، حيث تــم الحديث عن ظروف العمل بالمزارع والبيـوت البلاستيكية التي تفتقـر إلى الكرامة الإنسانية واستغلال العمالـة الأجنبية، وخاصة المهاجريـن غير الشرعيين. وهي الظروف نفسها التي تعيش فيها العمالة الأجنبية مثـلا في مزارع الفـراولة والفواكه الموسمية بالجنوب الإسباني، والتي لم تعـد سـرا على أحــد.

فبعد حادثيْ 4 و6 غشت أعلنت النقابات المحلية عـن إضراب ومسيرة كبيرة يــوم 8 غشت في مناطق فوجـا الإيطالية، وهنا يكمن مكـر التاريخ من حيث دلالــة يـوم 8 غشت في الــذاكرة الجماعية للإيطالييــن.

ففي صبيحة يــوم 8 غشت من سنة 1956، وقع انفجـار كبير بمناجم الفحم بمنطقة “مارسنيل”، الــتابعة لمدينة شارلـوغـوا البلجيكية، ذهــب ضحيته 262 عاملا منجميا، من ضمنهم 136 عاملا إيطاليا، إلى جانب 95 بلجيكيا، و8 بولونيين، و6 يونانيين، و5 ألمانيين، و5 فرنسيين، و3 هنغاريين، وواحد من كل من بريطانيا وهولندا وروسيا وأوكرانيا.

وهـو الحادث الذي تخلـده إيطاليـا منذ 62 سنة تقريبا وتشارك فيـه بـوفود حكومية وازنة وتوضع فيـه أكاليل الزهور وتُـقْرأ كلمات الخارجية الإيطالية ورئيس الـدولة الإيطالية ترحما على ضحايا المنجم البلجيكي، وتحول المكان إلى متحف لحفظ الذاكرة الجماعية للمهاجرين الأوروبيين.

لكــن تخليــد ذكــرى سنة 2018 لم يــخلـو من “بُـوليميك” سياسي وإعلامي، حيث صاحب تعليــق الـسيد مُـووافـيرا ميلانيزي، وزيــر الخارجية الإيطاليـة، بمناسبة “فاجعة مارسينيل”، بقــولـه: “لا يجب نسيان أن فاجعة مارسينيل هي مأساة للهجــرة”، وهــو تعليـق أفـقـد صقــور اليمين المتطرف الإيطالي تـوازنهم، بقولهم إنه “لا يجب مقارنة مهاجري إيطاليـا والمهاجرين الآخرين”.

لكـن للتاريخ مـرة أخـرى لغة مغايـرة، حيث يُـخبرنا بأن هجـرة الايطاليين إلى مناجم بلجيكا لـم تكـن هـروبا من حكم ديكتاتوري أو من مأساة بيئية أو من نــزاع مسلح، بل إن الاتفاق الإيطالي / البلجيكي الموقع في يونيو 1946 كان يقضي بإرسال إيطاليا حوالي 50 ألف عـامل كل سنــة إلى مناجم بلجيكـا، أغلبهـم غير متخصص، مقابل 200 كيلوغرام من الفحم يوميا عن كل عامل.

مما يعني معه أن المهاجر الإيطالي كان مجرد “مهاجـر اقتصادي”، وهي مواصفات تُجيز طرده من بلجيكا حسب أدبيات اليمين المتطرف الإيطالي نفسـه.

من جهة أخرى، فإن الاتفـاق نفسه كان ينص أيضا على الايواء وإعـادة التأهيل والتكوين للمهاجرين الايطاليين، لــكنها ظلت شعارات ورقيـة فقــط أمام شعارات عنصرية رفعتها الساكنة المحلية البلجيكيـة من قبيل “لا للحيوانات، لا للأجانب”، بالإضافة إلى معاناة كبيرة للمهاجرين الايطاليين مع ظروف العمل والسكن والاندماج وغيرها.

فمـا أشبه اليــوم بــالأمس، هناك تشابـه في ظروف المهاجرين، وخاصة المهاجرين العمال الزراعيين بكل من جنوب إيطاليـا وبجنـوب إسبانيا حيث حقول الفراولة والطماطم والبرتقال وغيرها، مع ظروف العمال الإيطاليين وغيرهـم من جنسيات أوروبية ممن لـقوا حتفـهم في انفجار منجـم الفحم البلجيكي يـوم 8 غشت 1956.

فالـموت في المناجم أو الموت في مــزارع الطماطم سيـان، ولهما طعم واحد هو العبوديــة الجديــدة، والضحية في الحالتيْـن معا هـو الإنسـان، بغض النظر عن كل تصنيف عرقي أو جنسي أو ديني.

فـفي يــوم 8 غشت من كل سنــة، يــدق ناقــوس منطقة مارسينيل 262 مــرة، عــدد ضحايا منجم الفحم البلجيكي. فكـم يحتاج المجتمع الإنساني من دقات ناقوس أمام كل هـذا العدد الهائــل من ضحايـا الهجرة وساكني مقبـرة البحر المتوسط أو الجبال والهضاب والغابات الحدوديــة الأوروبية؟

الإعلانات